جدلية الإجتهاد في القرآن
سألتني الإعلامية نايلة شقراوي ذات حوار حائر:
لك قراءات المفكر واجتهادات الباحث خاصة في تأويل القرآن وإشكاليات الاحكام، لو تذكر لنا بعضها ؟
فأجبتها :
ــ أولا
وقبل الاجابة أريد أن أؤكد لك بأن هذا السؤال طرق عنيف على سنديان تفكيري بيد من
فولاذ وخلع منك لبوابة بلا مزلاج مشرعة على مصرعيها باتجاه صراع حديث قديم قدم
الجريمة المسلطة على الإنسان من طرف تجار الأديان بعقيدة الغبن والجبن تلك التي أريد
ــ قبل التورط في تعقيداها ــ أن أسوق هذه الملاحظة الهامة وهي :
إن الإشكاليات الشائكة وما أكثرها في كل الأديان والدين
الذي يهمنا ونهتم به ولا يهتم بنا بل يغتم بنا هو الإسلام بما فيه من الجدليات التي
حيرتني وجعلتني متأكدا أننا بحاجة الى حوارات جريئة جديدة حول كنه تلك الجدليات الشاهقة الشاقة
كمن يصّعّد في السماء .. ومنها :
ــ جدلية التكفير في الإسلام ، من هو الكافر؟ ــ
جدلية الزواج ، أكراء هو ؟ أم شراء ؟ ــ جدلية القافية ، تلك أجرمت حتى في حق الأسلوب
القراني لما كان لها من تأثير غائر غوار غرور هي وسجع الكهان .. كيف ذلك ؟ جدلية
الأبواق ، وما لها من صخب متفجر من المساجد واقتحامها بالنار والحديد هدأة الوجود
الإنساني وحقوقه ،، لماذا ؟ جدلية نزول القرآن ، أمعنى؟ أم مبنى؟ ــ جدلية ما ملكت
أيمانكم ، وهل لله عبيد كالنخاسين؟ جدلية القتل والقطع والجلد ، أفي ذلك انتهاك لحرمة
الجسد البشري من طرف الدين والدولة ؟ ــ جدلية القبلة بين بني
البشر ، ما حكمها في الإسلام ؟ ــ جدلية نكاح الجهاد أحرام ؟ أم مباح ؟ ولماذا يصبح الجهاد
الوجه الآخر للإرهاب ؟ جدلية المرأة والحرية والسياسة ... وغير هذه الجدليات كثير
في كل الأديان خاصة في الإسلام الذي ما اهتم بنا كثيرا بقدر ما اغتم بنا أكثر .. ؟
واغتمام الإسلام بنا مدعاته وفرة تلك الأمور التي ترسخت عبر الصمت التاريخي في أذهان
المسلمين إلى درجة انهم يعتبرونها اليوم مقدسة !
ولو فكرنا فيها بحكمة لوجدناها تضرب في
صحو القرآن وتخالفه وهم يدافعون عنها دون علم، كالختان ذكرا وأنثى والدعاء واللحية والحجاب والخمرة والميراث والخلط بين العقل والنقل .. والتفريق
بين الرسل وغير ذلك كثير جدا ولعل أخطرها على الإطلاق هو التقديس خاصة ما كان منه
مغلوطا بلا ريب ، ذلك لأن معظم الناس قد جُمدت عقولهم وأخضعوها كليا للموروث الديني
فقدسوا المخلوق وأهملوا الخالق ! وعندما تخبرهم بما أنعم به عليك ربك من كشف
لمعرفة طيف الغيب يتهمونك بالارتداد عن دين الله والإلحاد .. ويقولون لك : من أين
لك هذا ؟ ثم يحاجّونك بأحاديث نبوية أغلبها مغلوط أو منتحل أو ضعيف ولكنهم أخذوها
مسلّمة بل ويرفضون النقاش فيها وذلك نتيجة خطإ وقع فيه السلفيون الصالح منهم والطالح خاصة من
هؤلاء الذين يخلطون بين الاحترام والتقديس مثلا لشخصية النبي والصحابة جيلا بعد
جيل، وعدم معرفة التمييز بين الرسالة والرسول وبين الآية القرآنية والحديث القدسي
والنبوي والمقولة الشهيرة، وهذا ما جعلهم ينسبون أحاديث إلى الرسول تتعارض مع القرآن، وتجعل الإنسان الغافل يشرك بالله
بغير علم، ويظل صنما لا يقبل النقاش ووثنا لا تميله للحوار صلابة النقل ويبقى مستهلكا فقط دون عقل،
وإنه لابتلاء كبير أن تُناقش امرَأ لا يعرف
الفرق بين الحلال والمكروه والحرام والعادات والتقاليد !
لذلك أنا أهيب بالمؤمن أن يفسح لعقله مجالا لفتح الأقفال او لكسرها تماما وأن يتدبر القران كما جاء في قوله :
" أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها "
( محمد ــ 24 )
وأيضا قوله :
" إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لقوم يَتَفَكَّرُونَ "
( الجاثية ــ
13 )
وأنا أعتقد أنه حان الوقت ــ إن لم يكن قد فات ــ لنجريَ بحثا عقلانيا منطقيا لسياق النص القرآني بما يتماشى وزماننا هذا كي لا نضلّ .. وقد جاء في قوله :
"ويُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ"
( البقرة ــ 26 )
وما أبلغ قوله :
" وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ"
( آل عمران ــ 7 )
والراسخون في العلم هم من أتاهم الله الحكمة .. والله يؤتي الحكمة من يشاء ( البقرة، 269 ) ويوحي بها لمن يريد، والحكمة
في الدين هي البصيرة
التي تأتي عن جهاد دائم في تدبّر القرآن لمعرفة المراد ومحاربة العقل الجمعي الذي
يعتقد أنه على شيء وما هو على أي شيء..
والحكمة هي أيضا المعرفة العقلانية التي يتمكن بها
المرء من التعامل مع القرآن وتدبّره وتأويله حسب السقف المعرفي في زمنه، فيوفّقُ
للصوابِ من الرّأي ويعالجُ الأمور بتريث وتبصّر، وبتعديل لنهجه، وبسلوك لقصده بلا
إفراطٍ .. ولا تفريط .. وبلا شطط .. ولا تشطيط ، فالّذي يؤتى الحكمة يجافي القصور،
ويجانبُ الزيغَ والخلل، ولن يصل الانسان الى هذه المرحلة الا اذا ارتفع لديه النضج
المعرفي الذي منعه عنه السابق ذلك التراث المتحيز لأرباب من دون الله.
وانا حتى ولو لم أكن
راسخا في العلم فمن ذا الذي يمنعني من أن أدعيَ ذلك ؟ وأن أسعى مجتهدا لذلك، فالعلم في الدين لا يأتي
من فراغ وليس هنالك تقليد في الدين فكل فرد مسؤول عمّا يعرف .. فالذي يُقلّد غيره في الدين هو الذي لا يريد ان يتحمل
المسؤولية ....
وأنا دائما أحس في داخلي أن هنالك خلل في كل شيء يصلني من هؤلاء الشيوخ الذين يفسرون القرآن على هواهم وأهوائهم لهؤلاء الجهلوت الذين يعتقدون أنهم مركز الكون يدور حيث داروا، بينما هم يقولون على الله ما لا يعلمون ويأخذون من القرآن ما يوافق هواهم وأما ما يخالفه فإنهم يحرفونه عن مواضعه .. كما جاء في قوله الحكيم :
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ "
( البقرة ـ 174)
وهنا أذكر قصة قصيرة جدا جاء فيها أن ثعلبا قال لأبنائه : يا أولادي اسرقوا
الدجاج من أي بيت في القرية وإياكم بيت شيخ الجامع ! فسأل الصغير: ولماذا ؟ !
فأجابه الثعلب الأب : لأنكم إذا سرقتم دجاجة من بيته سيصدر فتوى تحلل أكل لحم
الثعالب وسيخترع عشرات الأحاديث التي تؤيّد كلامه .
لذلك نرجو من أئمة مساجدنا اليوم أن يحدثوا الناس عن دين الله بما جاء في كتاب الله وأن يتوقفوا عن ترويج الشرك بواسطة تلك العنعنات التي ـ والحمدلله ـ كلما سمعتها وتأملت فيها أحس كأن لي نظاما يحميني من الإنزلاق في ما يقولون، ويحاول ذلك النظام العقلي إخباري بأن هنالك شيء خاطئ في كلامهم، وذلك ما يفـتح لي باب الاجتهاد ويجعلني أقول ــ لا كما يقولون : من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد ــ وهذا الثابت في أذهانهم أريد خلخلته فأقول واثقا من قولي هذا وهو : ــ من اجتهد وأصاب فله أجر واحد ومن اجتهد ولم يصب فله أجران اثنان : الأجر الأول منا له لمحض اجتهاده ، والأجر الثاني منا له ليعيد اجتهاده .
أما الذي اجتهد وأصاب فله منا أجر واحد لا لكونه أصاب بل لمحض اجتهاده .. أما كونه أصاب فذلك أجر له .. وأعظم من كل الأجور التي مهما كانت عظيمة فلن تكون إلآ ضئيلة وضئيلة جدا مقابل كونه اجتهد .. وأصاب ( كمنحة له ومحنة من الله ) .. وما أعظم من اجتهد وأصاب في عين نفسه أولا وفي عيون من سيكرمونه ثانيا حتى ليصبح مؤمنا بأنه في غنى عن تكريمهم له، ويصبحون هم أكثر مجدا بتكريمهم لكل مجتهد سواء أصاب أو لم يصب.
ويبدو لي أن من لم يصب هو أولى بالتكريم ليواصل الإجتهاد حتى الوصول إلى محض الحقيقة العلمية التي هي ضالة المومنين .. كما أريد أيضا أن أخلخل قولهم : ( لا يستقيم الظل والعود أعوجُ ) هذا نفي في غير محله تماما لأن العود الأعوج يمكن أن يكون ظله مستقيما وذلك بمواجهة الاعوجاج رأسا لا جانبا ، فأنت إذا سلطت الضوء على العود الأعوج رأسا تحصلت على ظلا مستقيما فيزيائيا وهذا دليل على أن المواجهة لكل ما في المجتمع من اعوجاج يؤول بالمعوج فعلا الى الاستقامة ..
فالهروب من
المواجهة هو سبب الدمار الذي أصاب تونس في عشرية الخراب هذه التي مررنا بها هاربين من أجنحة
الذباب الأزرق والمثل التونسي يقول : ــ (ضرب الطوب ولا الهروب) رغم أن المثل
العربي في الجانب الآخر يقول : ــ (الهروب نصف الشجاعة) .. وضرب الطوب هو المواجهة بكل ما نملك من
أسلحة وأهمها سلاح العلم الذي ينطلق من محض التجربة للوصول إلى محض النتيجة
وهو عكس الكلام الذي ينطلق من محض الكلام للوصول إلى محض الكلام، والكلام ــ بما
في ذلك الدعاء ــ لا يغير سقف العالم وحتى لو كان كلام الله أيضا لن يغيّر شيئا، إلا أن المسلم وللأسف حين يقرأ
آيات القرآن ــ والقرآن كلام ــ فهو ــ حسب رأيه ــ يطلب البركة في صحته كي لا
يمرض ولا يهنَ والبركة في ماله ليتضاعف ويربوَ دون عمل، وهذا مخالف لقوانين الرب في هذا الكون،
فلابد من العمل والسعي في الأسباب التي أمر الله بها، فمن يريد أن يدفع الحر
والبرد لابد أن يلبس الثياب، ومن يريد أن يدفع الجوع والعطش لابد أن يأكل ويشرب،
ومن يريد الزرع لابد أن يحرث ويبذر، إذن فصحة هذا المتواكل ولا أقول
المتوكّل لأن التوكّل صفة القلوب وليست صفة الجوارح، هذا المتواكل المؤمن بالكلام
دون عمل لن تسلم صحته الا اذا اتبع نظاما غذائيا سليما ومارس الرياضة ليحافظ عليها
ويأخذ الدواء عند المرض، وماله لن يتضاعف الا اذا استثمره في ما يدر عليه ارباحا
...
مثل هذه المعتقدات هي التي يجب
محاربتها بقوة الخطاب القرآني الذي يخاطب العقلاء ولكن المشكل انه ان حاول احدنا
ذلك يصبح في نظرهم جاهلا لا يعرف الناسخ والمنسوخ ولا اسباب النزول وتجرّأ على الدين والعلم الذي نشأ في
زمن بيع النساء في الأسواق وحين يحاول تطبيق الفهم، فهو مرتد من الخوارج وله عذاب
الجحيم. .
نحن للأسف أمة تحارب من يبحث ويريد العلم حتى صديقك أو أقرب الناس إليك يمكن أن يكفرك بمجرد نقاشك
معه أو إفحامك له بتأويل مغاير لآية من آيات القرآن التي له فهم قديم راسخ في
أفكاره حتى جعلها مقدسة بينما الحقيقة أن هؤلاء الافراد الباحثين عن الكنه الحقيقي للقرآن هم الصورة المثالية
التي تنضح بالكرامة والكبرياء وتلك الصورة تجعل من يشعر بالنقص يصغر في داخله لأن
فاقد الشيء لا يُعطيكه وبالتالي فهم لا يحبون من يذكّرهم بما ينقصهم.
لذلك أنا أحاول أن أبحث عن أجوبة
لجملة من الاستفهامات التي تنتصب امامي براكين لا تنفك تغلي بلا انقطاع فتحيّرني وحيرتي لا حدود لها لصنع رؤية اجتهادية لكل اشكاليات الجدل في
القرآن والتي كادت أن تزعزع وجداني وتزلزل إيماني به !! لولا هبة من ذات
الله لنا جل في علاه، وتقدست حكمة الغيب لديه أودعها في الإنسان ليمكننا بها من فحص نبض ذلك الرعيل
الغريب من المسلمات التي جاءت في التواءات الموروث الديني الأسطوري القامع بلا
رحمة للعقل النقدي انتصارا منه مغلوطا للنقل الإستسلامي المغلوط لكل الأديان
السماوية : بدءا من المتفزقيين إلى اليهود ومرورا بالمسيحيين وعبورا بالمسلمين
وصولا إلى الاغتيال المؤقت للإلاه مسكا للختام لكل اشكاليات الجدال الذي سأعتمد
فيه على القرآن للإجابة على كل تلك الأسئلة المحيرة كمرجعية أنا ادعي بأني متشبع
بها جوعان لكنهها بلا انقطاع لا لحسم الصراع بيني وبين الآخر بل لتمجيد الإبداع
بالعقل لا بالنقل ، وإذا اختلف العقل مع النقل غلبنا العقل ..
أنا أرفض كل العنعنات إذا لم تكن مدعومة بالآيات وإذا لم
تكن الآية مضروبة بغيرها والمضروبات يسميها النقل متشابهات والمتشابهات منها
المشبوه في معناه ومبناه وهو المكروه فإذا كان مشبوها فقط في معناه حققنا في مبناه
فالمبنى بشري ولو كان نازلا من السماء ادعاء أو صاعدا إلى السماء دعاء فالنازل قد
يكون رميا بحجارة من سجيل والصاعد صعب بل لعله مستحيل ، فالجاذبية لا يكون التخلص
منها إلا بشريا لا بفضل الالاه بل بفضل العلم أي بفضل العقل في كل حقل لا بفضل
النقل المحتاج للصقل !
وهذا الموروث الديني الذي يجب مراجعته وفحصه ليس فقط في
الدين الاسلامي فحسب بل في جميع الأديان التي أعتبرها أنا كلها من صنع الإنسان ..
و لولاه لما وجدت تلك الآلهة التي خلاصتها : قل هو الله حبيبي ...
وأنا أؤمن أنه لم يكرمنا على سائر مخلوقاته ويفضلنا إلا بتلك الهبة التي هي جزء من ذاته، تلك المركبة العابرة لكل المسلمات متوغلة بنا في كنه الغيب لديه لنتدارك بها ما في حياتنا من جدليات بما في ذلك ما جاء في كل الكتب السماوية ومنها ما في القرآن من اشكال تضاربت حولها عواصف فهمه وتداخلت حواليه التأويلات المختلفة إلى درجة توريط المسلمين في الحيرة الأبدية خاصة وقد جاء في كتاب : " الملاحم " لأبي داوود أن الرسول قال : ـ (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) ودنياها وديمومتها .. وأنا أسمح لي ولوجداني بأن ندعيَ معا مجد التجديد :
أولا : بفضل الثروة اللغوية الضخمة التي امتلكتها وعمري لم يتجاوز السادسة عشرة وتعاملت معها سردا وتكرارا.. ترتيلا وتجويدا ( ورشا وقالونا حفصا وابن ماء السماء ) وتلاوة متأنية في صلوات التراويح إماما خلال شهر رمضان الفضيل بمساجد منزلتميم في ستينات القرن المنصرم وسبعـيناته ..
ثانيا : بفضل هبة الله لي وهي التي ستخوّل لي بأن أعيد النظر في بعض هذه المسَلّمات التي أصبح من الواجب علينا أن نقرأها قراءة جديدة تتماشى وعصرنا الحديث الذي يفرض علينا أن نعيشه منطقا ونعايشه فلسفة ونتعايش معه عقلا ونجعله يعيشنا علما ينطلق بنا من محض التجربة للوصول إلى محض النتيجة لا أن ينطلق بنا من محض الكلام للوصول إلى محض الكلام الذي لا يغير سقف العالم حتى ولو كان (كلام ربي) إلا إذا تحول ذلك الكلام إلى فعل معرفي يقوم به الإنسان خليفة اللهْ .. في أرضه وسماهْ ..
وأنا أعتقد أن الدعوة إلى مراجعة مفاهيم الخطاب الديني لدينا على منابر الأمة جمعاء هي دعوة حق أريد بها الوجه الآخر للباطل، لا هدف لنا منها إلا حصحصة كل حبة رمل في صحارى الحقيقة تعبيرا قويا مني عن الشعور بالحاجة الملحة إلى المراجعة العقائدية والنقد الذاتي خاصة وأني قد لاحظت أن المثقف العربي يقضي وقته بأحلام اليقظة والتصنّع المبتذل بالتذمر من مجتمع مليء بالتخلف والجهل لكن هذا المثقف لن يقول أي شيء لا يتناسب مع هذا المجمتع ...
لذلك وجب علينا اليوم أن نتحمل المسؤولية ونعمل على إزاحة هذه الغشاوة عن أعين ناشئتنا، فالشباب التونسي في ظلال هذا التقدم الهائل لوسائل التواصل والاتصالات الحديثة بحاجة ملحة إلى عرض جديد بشكل جديد للمعتقدات والمفاهيم الدينية والأخلاقية والفلسفية، لينطلق أبناؤنا وأحفادنا نحو التغيير والإبداع، متسلحين بعتاد قوي جدا لا غاية لهم إلا المعرفة والعلم في ظل هذه المتغيرات العالمية العلمية الكونية.
الخلاصة تبدو لي أنه دون تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن تنهض الأمة العربية والاسلامية، ولا يتسنَّى للشباب أن يجد ضالته المنشودة في الارتقاء في سلم العلم والمعرفة والإضافة وصولا إلى الإبداع والتغيير، وهذا ينطبق أيضا على جميع أهل الأديان الذين وظفوا الدين لأغراض سياسية ، لأجل السلطة والمكاسب الدنـيوية ، مما نَـتَـجَ عــنه حدوث صراعات رهيبة دامية بين أتباعها، لذلك يصبح تجديد الخطاب الديني ــ في كل الأديان وليس الخطاب الديني الإسلامي فقط ــ ضرورة ملحة، لتقضي على كل أشكال التعصب الديني وكراهية الآخر المختلف دينيا ومذهبيا وعِرْقيا. ويتطلب ذلك منا القيام بدورنا على أكمل وجه لتعزيز هذه الإصلاحات.
وكخطوة أولى مني للاجهاز على المعتاد في هذا المضمار وسمت
كتبي الصادرة أخيرا ــ لا تجرؤا على القرأن بل تفاعلا معه وانفعالا به ــ
وسمتها بعناوين
صادمة للفكر المسطح لخلخلة السائد مثل : ــ قل هو الله حبيبي \ إنا للحب وإنا إليه
راجعون \ والشعراء يتبعهمُ العشاق \ فلندخل في دين الحب أفواجا \ سبحانه علمني
الشعر فهو ينبغي لي ولا ينبغي لرسوله \ الحب رسول الرب عليه السلام \ آية الكراسي
\ آية الموت والحياة \ آية لمن يدعون امتلاك الحقيقة \ سلفيّ قتل أمي ثانية ..
وأخيرا وليس آخرَ عنوان لأحد كتبي الصادر سنة 2021 وعنوانه طريف ظريف شفيف هو: ــ
إنا أعطيناك الحبْ .
إنه الحب الذي لم أجد من عبّر عنه بصدق نادر أبلغ من
رابعة العدوية حين قالت :
عَرَفْتُ الهَوى مُذ عَرَفْتُ هواك وأغْـلَـقـتُ قَلْبيَ عَـمَّـنْ عَــداكَا
وقُـمـْـتُ اُناجِـيــكَ يا مَـن تــَرى خَفايـا القُـلُـوبِ ولَسْــنا نـراكَا
أحِـبُــكَ حُـبَّــيْـنِ حُـبَ الــهَــوى وحُــبّـــاً لأنَّــــكَ أهْـــلٌ
لـِــذَاكَا
فأما الــذي هُـوَ حُـــبُّ الـهَــوى فَشُغْلـِي بذِكْرِكَ عَمَنْ سـِــواكَا
وأمّــا الّـــذي أنْـــتَ أهــلٌ لَــــهُ فلَسْـتُ أرى الكَوْنِ حَتىٰ أراكَا
فلا الحَــمـْـدُ فـي ذا ولا ذاكَ لـي ولكنْ لكَ الحَـمْدُ فِــي ذا وذاكا
ولئن اقتنعت رابعة العدوية بحبين اثنين فإنني أطمح بأن يكون حبي يضرب الرقم القياسي ليتجاوز عارضة المائة لو استطاع .. حيث أقول :
أحـبـك تـسعــا وتــسعين حــباوحبك مسبحة لم أسبح بها لسواكْوكــل الذين بها سبحوا للظلامشـياطـينُ موت ، مصيرهمو للهلاكْورفض السجود يمجد هذا الملاكْوقد كان أغواه ربّي ..لإيقاعه في الشباكْ
وهنا أقارع ــ وبشدة رائعة ــ هؤلاء الذين يؤمنون بمجد
السجود للموت.. ويفضلونه على مجد الركوع للحياة ، وأنا لست على خطإ حين أدّعي بأني
شاعر تونس الأول والوحيد المؤمن اليوم بفلسفة الحياة من أجل الوطن لا بفلسفة الموت
من أجل الوطن .. وهؤلاء أشجبهم حين يرفعون أصواتهم بنشيد : ــ (نموت .. نموت ويحيا
الوطن ..) صارخا فيهم : ــ ألا بل نعيش ونحيا ليحيا الوطن .
***
وعودا على بدء للحديث عن بعض الجدليات التي زعزعت وجداني .. وكادت أن تزلزل إيماني بكل مسلماتي العقائدية المعقدة، وما سموها عقيدة إلا لما فيها من عقد تتماهى مع كل المسلمات بلا استثناء !
الجدليات تلك التي يضيق بها المقام هنا لفهم القصص
القرآنى لو تبسطنا فيها ولكن لا جرم ان نقوم بطرحها باقتضاب ــ
تمهيدا لا بد منه ــ للتوغل بنا في وجهها الآخر لما في القرآن من آيات محيرة
محتارة سنوردها كما ذكرتْ .. وكما لم تذكرْ .. هي وغيرها مفصلة في بقية فصول هذا
كتاب الذي انطلقت في نشر جدلياته تباعا بشيء من التصرف والزيادة التي لا تقتل
المريض بل لربما تكون جرعة من الجراثيم المدجنة لتصبح له لقاحا ضد جراثيم أشد فتكا
.. لذلك أنا أكن احتراما فائقا لا للجراثيم التي تملأ الدنيا بل لمن وهبه الله
القدرة على تدجينها لتصبح لقاحا يحمي البشرية على وجه هذا الكوكب الضئيل في مجرتنا
امام ما هو غير محدود خارج النظام الشمسي من كواكب مهولة جدا جعلتني أشك في حقيقة
علاقتنا نحن البشر على وجه هذه الأرض بهذا الغيب الذي تريد الأديان أن تدجنه
لفائدتها لتحكم به قبضتها على حرية اعناقنا التي تمتد خارج وجودنا على الأرض لفهم
كنه هذا العظيم الذي لا حدود له وليس بامكاني إلا ان أقدسه ولا قدسية في الإسلام
إلا .. له، جل جلاله وتقدست حكمة الغيب لديه ..
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire