أبو وجدان في حوار تاريخي
مع الإعلامية نايله شقراوي
السؤال الأول
مسيرة حافلة لأبي وجدان الشاعر والوجه
الثقافي التونسي ، كيف يمكن أن تختصرها بما يمكن للجمهور العربي أن يتعرّف فيها
عليك ؟
ج ) ــ أنا الصادق شرف ( أبو وجدان ) شاعر تونس الأول والوحيد المؤمن بفلسفة الحياة من
أجل الوطن خلافا للشعب التونسي كله ، وقد لا تكونين أنت إلا منهم رغم اعتقادي أنك
المرأة التونسية الرمز..
الشعب التونسي كله يؤمن بثقافة الموت من أجل الوطن تلك الثقافة التي هي
عادة سيئة نحن درجنا عليها منذ نعومة أظافرنا .. فمتى سنكف عن هذه العادة السيئة
التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا وشهدائنا رحمة الله عليهم جميعا ؟
لقد فارق الشهداء الحياة وهم ينشدون : ( نموت نموت ويحيا الوطن ) إنها
ثقافة الموت من أجل الوطن والتي بدأت تتضاءل لتترك مكانها لثقافة جديدة تؤمن بالحياة
من أجل الوطن ويؤمن بها أطفالنا الذين صرنا نسمعهم وهم في طريق عودتهم من مدارسهم
إلى مساكنهم ينشدون: ــ نموتو .. نموتو \\ ويحيا البشكوتو ..
نعم يحيا البشكوتو .. واهب الحياة لهؤلاء
الأطفال الذين صرنا نسمع أيضـا من حـين لآخـر خـبـر انتـحـار بعضـهم هـروبا من
وجـع المخمصة والصراعات بين أفراد عائلات تعيش فقرا مدقعا يضطر آباؤهم وإخوانهم
وأخواتهم للتورط إما في الإرهاب أو في حرق البحر أو في حرق أجسادهم أو في حرق تونس
انتقاما من إخفاقات من حكموا الوطن الضحية خلال هذه العشرية الأليمة
هذا ما جعلني أعيد النظر في فلسفة الإنتماء للوطن إيمانا
مني بالحياة من أجل الوطن لا إيمانا بالموت من أجل الوطن ؟ كما جاء في نشيدنا
الوطني: ( حماة الحمى ) المنقسم على نفسه .. فهو أولا : ــ مصري حسب قول الرافعي: ــ ( فلا عاش في مصر من خانها
) وهو ثانيا : ــ تونسي في البيتين الأخيرين
منه حسب قول الشابي الشاعر التونسي المؤمن بإرادة الحياة :
ــ ( إذا الشعب يوما أراد
الحياة فلا بد أن يستجيب القدرْ )
نشيدنا الوطني هذا ( حماة
الحمى ) ذيله بورقيبه ببيتين من شعر الشابي يوم أن اتخذه نشيدا للثورة وقد انتزع
منه الكلمة الأم وهي : ( مصر ) وعوضها بكلمة ( تونس ) واتخذ له : ( ألا خلدي )
نشيدا رسميا حتى إذا خلعه التحول أقر الخالع ( حماة الحمى ) نشيدا رسميا لتونس ..
حتى إذا جاءت الثورة بطغمتها أبقت عليه لإيمانها بالموت من أجل الوطن .. وكان
عليها أن تعلن عن مسابقة بين شعراء تونس وملحنيها ليبدعوا نشيدا للثورة التي تؤمن
بفلسفة الحياة من أجل الوطن المفدى .. لا بـنشيد : ــ ( نموت .. نموت ويحيا
الوطنْ)
وعشقا نموت ويحيا الوطنْ
وحرقا نموت ويحيا الوطنْ
وفي البحر غرقى ..
نموت ويأكلنا الحوتُ ،
لكنْ ..
ولكنْ .. ولكن لماذا نموتْ؟
وقد زال ركن به نسج
العنكبوتْ
على الشفتين خيوطا وبعضُ
الخيوطْ
على شفتيك أصابعُ ألصقُ
من أخطبوطْ
تخبّطْ .. تخبط .. أو
اضربْ
برشك شعبي أيا حاكما
للسقوطْ
فتونس من حقها أن نموت
لتحيا
ومن حقنا أن نعيش لكيْ لا
تموتْ
فما عاد بالموت يحيا
الوطنْ
وليس بثورتنا نحن نحمي
الوطنْ
ولكن بزرّ صغيرْ..
بعلم خطيرْ..
برقم أميرْ ..
تحكّم فينا عدوّ الوطنْ
لماذا إذنْ..
نموتُ نموتُ ويحيا
الوطنْ؟
ألا بل نعيشُ ونحيا..
ليحيا الوطنْ
ــ نعم .. ألا بل نعيش ونحيا ليحيا الوطن ..
إنها خاتمة لنشيد آمن بفلسفة الحياة من أجل الوطن قام بتلحينه وتغنى به الفنان
التونسي : ثامر عبد الجواد بتوزيع من استاذ الموسيقى رفيق الحمزاوي .. هذه الخاتمة
تحيلنا فورا على البيتين اللذين تذيل بهما نشيدنا الرسمي ويبدو أن كل من قاموا
بذلك التذييل توهموا أنهم بذلك قد تونسوه ودرؤوا عنه سمة تمجيد الموت من أجل الوطن
التي كان لها أثر سلبي للغاية على تربية الجيل الصاعد حين ينتظم كل صباح في ساحة
العلم متغنيا بنشيد : ــ ( حماة الحمى ) ليختمه بالبيتين اللذين تغنى بهما الثوار
في جميع انحاء العالم:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب
القدرْ
ولا بــد
لليل أن ينجلي .. ولا بــد للـقـيـد أن ينكسِــرْ
إذا سلمنا بقوة البيت الأول
واستجابته لكل صرخات الثوار في العالم بجميع لغات الكفاح المسلح ضد الظلم فإن
البيت الثاني جاء مهزوزا دون انتباه
الشاعر للإيقاع المتنافر من حيث قافية الراء الساكنة المسبوقة بالفتحة في كلمة : (
القـدَرْ ) في البيت الأول .. أما في البيت الثاني فقد جاءت راء القافية ساكنة ومسبوقة
بالكسرة في كلمة : ( ينكسِرْ ) الشيء الذي نتج عنه نشاز واضح يضطر كل المنشدين إلى
إشــباع السين بالفـتحة في فعل الإنكسار فيصير: ( ينكسار ) وزيادة على هذا النشاز
الإيقاعي عدم استقامة المعنى في كلمتـيْـن هما: ( لليل \ للقيد ) فنحن إذا سلمنا
بجلاء الليل من تلقاء نفسه فهل يمكن للقيد أن ينكسر من تلقاء نفسه ؟ كلا وألف كلا
فالقيد لن ينكسر إلا إذا جعلناه بين المطرقة والسندان وضربنا عليه..
وهنا وجب عليّ أنا التدخل في ما وقع فيه أبو القاسم باعتباري ابنا له بارا
به وهل الإبن يكون بارا بأبيه إن لم يعالج الإعوجاج الذي وقع فيه أبوه ؟ والذي
يقول فيه : ــ ولا بــد لليل أن ينجلي ..
ولا بــد للقيد أن ينكسِرْ \\ ليصير ــ تحويرا مني ــ كما يلي :
ولا بد للظلم
أن ينجلي إن ضربنا على القيد حتى انكسَرْ.
ولسائل ان يسألني مستغربا : ــ إذا سلمنا لك بالجمال الإيقاعي وانتفاء
النشاز عن قافية البيتين باستعمالك فعل ( حتى انكسَرْ ) عوض ( ينكسرْ) فلماذا عوضت
الليل بالظلم ؟
جوابي : ــ هو أن الليل هو أحب رفيق وجودي للشعراء لكن الشابي رمز بسواده
لكل ما هو ظلام وظلمات وظلم وحررت أنا الليل من ذلك الترميز المشين له وأتيت بالمرموز
وهو ( الظلم ) كأحد دلالات القيد الذي لا بد من كسره ، والقيد لا ينكسر من تلقاء
نفسه بل لا بد من مطرقة حديد لا خشب .. ويد من حديد للضرب عليه حتى ينكسر ..
بيد أن الشابي كان معبرا بصدق عميق عن فلسفتي التي آمنت أنا بها منذ نعومة
أظافر أمتي التي أنشدتها في مستهل حياتي وحتى نهايتها صارخا:
يا أمــتــي
انا مــن ثـــراك أتـيــتـو
من روحك استوحيت ما استوحيتو
أنا منك جزء
كان في عمق الدجى
لمــا رأيـت الـنــور أنــت رأيـتـــو
إني فتحت على
اسمك الغالي فمي
وحمـلـته فــي مهجـتـي ومضيتـو
ومضـيت أهـتف
للحـياة به ، وإن
مني أرادوا
الصمـت عـنـه أبيـتـو
نعم .. ومضيت أهتف للحياة به .. ولعل هتافي للحياة به هو الذي جعل الفنانة نعمه رحمة الله عليها تصر على
التغنى خلال الستينات بنشيد من شعر الصادق شرف مطلعه :
ــ يا أمتي أنا من ثراك
أتيتو ..
من روحك استوحيت ما
استوحيتو
وفي زيارة قمت بها للفنانة
نعمه رفقة الأمين العام لحزب " مشروع
تونس " الذي اقترحت على الصديق محسن مرزوق أن يكون اسمه : " تحيا
تونس" (*) فاختار " المشروع "هو ومن معه ليظل مشروعا
إلى اليوم .. قلت لها :
ــ يا أمتي أنا من ثراك أتيتو .. فاستبشرت هاتفة بي : ــ مرحبا بك !! لقد تغنيت بهذا النشيد
رغم أن البعض قالوا لي : ــ نعمه وما ادراك !!
كيف تـتـغـني بنشيد صاحبه ما زال تلميذا بمعهد خزندار بباردو؟ لكني حين سمعت
كلماته واللحن الذي وضعه له تلميذ أيضا نسيته ..
فقلت لها : ــ نعم إنه الدكتور إبراهيم شمام .. ألا تذكرين اسمه؟ فاجابتني وهي
تدير يدها في الفراغ.. تعنى كثرة ما مر بها من أسماء .. فتدخل الأستاذ محسن مرزوق
قائلا: ــ يبدو لي انك نسيت أيضا اسم صاحب الكلمات !!
ها هو : الشاعر الصادق شرف أبو وجدان .. واردفت هي هامسة انه من
منزلتميم وابتسمت مليا ومدت يدها تصافحني من جديد وهي تـشد مليا على راحتـي : ــ منزلتميم بلاد
يوسف التميمي الذي تغنى بها وهي بلادي أيضا وبها اختي في رغد العيش.. منزلتميم
بلاد الخير.. والخمير ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ........... البرقية
التي توجهت بها له ولم يلب ولبى يوسف الشاهد بعد سبع برقيات .
نعم .. ومضيت أهتف للحياة من أجل الوطن لا للموت من أجل
الوطن .. و" أبو وجدان وطن قبلته الشعر" (وهذا عنوان تأليف لي .. صدر عن
الأخلاء في أربعة أجزاء)..
لقد سخّرت وجداني .. نفسي .. عمري .. روحي ..
مالي للنضال من أجل إعادة المجد للشعر .. والكرامة للشاعر التونسي الذي يعيش
التهميش بين المتطفلين على الشعر وكثرة المتطفلات خاصة .. فجلهم لا يفرقون بين
القافية والروي ولا بين الجناس والطباق ولا بين ألف تنوين النصب وألف الإطلاق ويدعي
الواحد منهم بأنه شاعر ( أدّ الدنيا ) فإذا فسحت له المجال ومكنته من المصدح تبكي
اللغة العربية بين جفونهم ويئن في شفاههم سيبويه..
فجهل هؤلاء المتطفلين على كتابة الشعر مشرقا
ومغربا جعلهم يعترضون مثلا على تمتيعي أنا للقافية بواو الإطلاق وقد كررت هذه
الممارسة الإيقاعية في الكثير من قصائدي ومنها قولي هذا:
ولولا السفح ما كانت
لتسمح بالصعود لنا الجبالـــو
فكن جبلا ولو داست أعاليك الــنــعــالــــو
ولولا النقص لم يولد من القمر الهلالــو
فكن قمرا ولو في آخر العمر استبد به الزوالــو
وقد انبرى احدهم للإعتراض على وجود الواو في قافيتى
قائلا: " يا شاعرنا ، القافية مضمومة بطبعها فلا حاجة لزيادة
الواو؟ " ويبدو انه اعتبرها حرفا
من حروف العلة .. فأجبت بما يلي :
ــ " الواو هذه يا صديقي تسمى واو الإطلاق
تأكيدا للضمة .. والضمة ما هي إلا واو صغيرة .. واستنجادي بالواو كان دفاعا عن
القافية المضمومة والتي قد يقوم بتسكينها القارئ ، ولذلك قمت وقام قبلي قيس ابن
الملوح بوضع الف الإطلاق في قوله :
أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى أُقَبِّلَ ذا
الجِدارَ وَذا الجِدارا
وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي
وَلَكِنْ حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا
ــ فالألف هنا في كلمتيْ : (الجدارا) و( الديارا ) ليست
من حروف العلة ( واي ) بل هي ألف الإطلاق .. وكذلك الواو والياء يمكن تمتيع
القافية بهما لحمايتها من التسكين من طرف من لا يجيد قراءة القوافي.. "
فرد المعترض : ــ
" شكرا شاعرنا على هذا التبرير المعقول " .
فما كان مني إلاّ أن همست له : ــ " لا لا لا .. هذا
ليس تبريرا بل هو معلومة قد لا تكون إلا لدى من علمه ربي الشعر .. فصار ينبغي له
ولا ينبغي لرسوله ( صدق الرحمان الرحيم ) ..
وإليك نموذجا ثانيا لألف الإطلاق في قولي :
كلما حدقت في عينيك أحسست بأني أتلاشى
ثمّ أحيا فيهما كحلا وأحتلّ الرماشـ(ـا)
فأنا من قيل عني قتل العشق وعاشـ(ـا)
لا لأني أعشق القتل ولكن لا أحب الانكماشـ(ـا)
فأنا قد عشت عمري عاشقا أسقي العطاشى
بحروف دافئات تمطر الدنيا اندهاشا
فالكلمات
الثلاث : ــ الرماشا \ عاشا \ الإنكماشا .. هذه مختومة بألف إطلاق وليست ألف
الإشباع.
هذا
الإستطراد جرني إليه وضع النقاط القارة على الحروف المتحركة وما هو إلا فاصل بعده
أواصل الآن التحاور مع شعر أبي القاسم باعتباري ابنا بارا له .. وأشهد أنه ممن قضى
وهو يهتف بنا:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ..
القدر الذي لم يستجب اليوم للطغمة
الحاكمة من تجار الإسلام السياسي هؤلاء الذين كنا نحسبهم يؤمنون بمجد الوطن إلا
أننا وجدناهم لا يؤمنون بالوطن ولا بالثورة التي قامت على أساس (الشغل والحريهْ \\
والكرامة الوطنيهْ) بل يؤمنون بحركة النهب الإخوانية والركوب على كرسي ثورتنا ثورا يتشهون أن
يحلبوه وهو ثور ( يا بوربْ ).. أخذون بقرنيه حاسبين أنهما المقود الذي سيسوقهم
لجنة النعيم التي يؤمنون بها ويكفرون بالوطن الذي اعتبروه غنيمة حرب .. واستباحوه
من أجل كراسيهم فأصبح مواطنوه في رعب فظيع خوفا من المستقبل المجهول يتساءلون:
نحب البلاد جميعا ولكن .. لماذا نحب جميع
البلادْ ؟
وبعض حماة الحمى هم رؤوس الفسادْ ..
فهم جوعوا الشعب .. هم دمروا الإقتصادْ
ومن حاويات القمامة قد صار يقـتات بعض
العبادْ !
فعشق الكراسي لدى تجار الاسلام السياسي كان سببا رئيسيا
في جعل أمتنا العربية جمعاء أمة منكوبهْ مسخرة العالم وقذارته .. أمة
إرهابية لكثرة ما فيها من الإرهابيين القادمين حديثا من أعماق التاريخ العربي السحيق
من زمن كان فيه الإرهاب جهادا والجهاد اليوم صار إرهابا .. فمتى سنكف عن هذه العادة السيئة التي ورثناها عن رمم
بالية لآبائنا وأجدادنا لنعيش مع الآخرين المؤمنين بالعلم مقابل إيمان الإرهابيين
بما أقنع به مفسدوه شبابنا الذي صار يعتقد أن من خالف ديننا هو علماني (كافر) يحل
قتله ويا بؤس هؤلاء وتفكيرهم فلو أمكن لهم تصفية العالم من العلمانيين لما أمكن
لنا أن نجد من يصنع لنا تلك الإبرة الرقيقة المنقوبة التي لولاها لما استطعنا ان
نمرر الدواء في شرايين أطفالنا لتلقيحهم وفي عروقنا وأترامنا .. وبالفصيح في
مؤخراتنا.
فالإخوان في العالم عامة وفي الوطن
العربي خاصة نكبة ساحقة ماحقة لأمتنا المنهاره :
أمتنا العظيمة العظيمة المنهارهْ
تهمس لي باكية ضاحكة .. حائرة محتارهْ
تقول لي : ــ ترهقني .. تؤلمني
الخسارهْ
أسألها : ــ يا امتي من أي نوع هذه
الخسارهْ ؟
تجيبني
ساخرة من نفسها : ــ خسارتي ما
بعدها خسارهْ
خسارتي
: ــ أن لا تسوقَ
المرأةُ المسلمةُ السيارَهْ
والطيّارهْ / والإدارهْ / والوزارهْ \ بنا
تسوق دفة الإمارهْ
فإن تسـقْـها
ارتكبتْ في الدين عندهم ضرباً من الدعارَهْ
بل إنه ضرب من
اغتصاب امرأة .. غاصبها يحسبها مغارهْ
والمرأةُ
المسلمةُ اليومَ هنا في تونس الحضارَهْ
سمكةٌ شهيةٌ
شهيةٌ لكنها .. من المحال أن تـبـتـلعَ الصنّارَهْ !
من المحال أن يجرفها
من بحرها الصيادُ بالكركارهْ
من المحال أن
تحيلَ روحَها على المقـصِّ للطهارَهْ !
وإنما تحيلُها
كحرّة .. وبنتِ حرّة على حريةِ العبارهْ
تحيلُها على
علوم التقنيات .. والفنونِ .. والمهارَهْ
فالمرأة
الشمّاءُ ليستْ عورةً ـ كما يقول شيخهم بوشكارهْ ـ
كما يريدها داعية التكفير .. والدعاة جلّهم
قذارهْ
فالدولة المدنية ما نكلت بالطغمة المتاجرة بالإسلام
السياسي لأنهم دافعوا عن الدين الإسلامي بل .. وبل لأنهم اتخذوا الإسلام مطية
للوصول إلى الكراسي والتشبث بالكراسي إلى درجة التضحية بالمصلحة العليا للأمة
الإسلامية وهذا ما به ابتليتْ تونس اليوم !! فهم من أجل الكراسي أباحوا
لأنفسهم القتل والذبح والإغتيالات السياسية لتستتب لهم كل الكراسي بلا انقطاع
والتي من أجلها ارتكبوا ابشع المآسي ..
ولعل قصيدة : " عشاق الكراسي "
هي أصدق ما في شعري السياسي وقد نشرتها الأخلاء مجلة المجتمع المدني في عددها :
176 \ 178 بتونس في 06 \ 8 \ 1991 تحت عنوان هو: ــ " أتحدى العشاق " وصدرتها
بتلك المقولة الشهيرة وهي : ( لو بقي الكرسيُّ لغيرك لما آل إليكَ يا حبيبي ) :
نتحدّى كلّ عشّاق الكراسي ...
أيّهم كرسيّه لم يرتكبْ بعضَ المآسي ..؟!
***
نتحدّى كلّ عشّاقِ الكراسي ...
مِن كراسي مجلس القهر وكم فيه منَ المهر الخماسي !
لابنةِ النّجم السداسي
مِن كراسي العالم النّامي ، وكمْ فيه من الضّرب
الحماسي ؟!
فوق أوتار شعوبٍ تعشق الطّبل النّحاسي
***
نتحدّى كلّ عشّاق الكراسي ...
من أمير، ووزيرٍ، ومديرٍ، من أصوليّ إمامٍ وانتهازي
سياسي
لاعبيّ الورق الممهور بالشّهوة ليلا
بين من كان سفيرا .. وبغايا دبلماسي
***
نتحدّى كلّ عشّاق الكراسي ...
من ترى يحلف بالله .. ؟ بهذا الوطن الممتدّ جرحا ..
من خليج الدّم فينا لمحيط الهمّ منّا ..
من ترى يقسم منهم : ـ أنّه جدّ بريء ؟ !
إن يجبني عاشق منهم :
ـ '' أنا لم يجدِ الكرسيُّ في من قاسهم مثل قياسي ..
أملأ الكرسيّ إذ أجلس فيه مثلما يملؤني دون افتراسي ..''
قلتُ : ــ '' مهلا ، إنما هذا ادّعاء بالأساسِ ي
فالكراسي هي أيضا تعشق الناسَ الكراسي والجلوسَ
الإنعكاسي
كم رموز جلس الكرسيُّ فيهم ..
وعليهم مارس الكرسيُّ أهواءَ النواسي !
فإذا بالتحت فوقٌ .. وإذا بالفوق تحتٌ ..
وإذا كل الكراسي فوقهم مثل الرّواسي
وإذا مشنقة الكرسيّ في أعناقهم .. تمتدّ من أفواههم
ألسنةٌ تصرخ : ـ '' راسي . آهِ راسي . ! أين راسي ؟ !''
***
نتحدّى كلّ عشّاق الكراسي ...
أيّهم كرسيّه لم يرتكبْ بعض المآسي ..؟ !
يصبح الكرسيُّ حبسا تسمع المحبوس فيه
إن تـشأ تحريره من حبسه، يرجوك : ـ '' دعني
إنّما حرّيتي في الانحباسِ ي ''
فدعوا أحرار هذا الجنس .. في الحبس الرئاسي
محبس من خشب أو من صفيح ليّن يهتزّ بالموس لذيذا وطريّا
..
آهِ حدّ الموس قاسِي !
والّذي تقسو عليه حفرةُ الكرسيّ يقسو ..
يصبح الإنسان فيه قابلا للاختلاسِ .
***
نتحدّى كلّ عشّاق الكراسي ...
أيُّهم كرسيُّه لم يرتكبْ بعض المآسي ..؟ !
تحسب الكرسيّ مسمارًا فما من حاكم إلاّ
وقد أوسع للكرسيّ حقلَ الإنغراسِ ي
ربّما يلتذّ مَن في ظهره الكرسيُّ مدقوق
ولكنّه مسكين يقاسي .. كم يقاسي ! كم
يقاسي !
وقد ألقيت هذا القصيد في إحدى دورات مهرجان الجريد فكان
له أثر عميق حتى أن رئيس اتحاد الكتاب التونسيين المرحوم العروسي المطوي همس لي
قائلا : " إنها قنبلة المهرجان !" وقد أطلق عليها
بعض المشرفين على حظوظ النشاط الثقافي في بلادنا اسم : ــ قصيدة المسمار وكثيرا ما
فرضوا علي عدم إلقائها ليسمحوا لي بالمشاركة في الأمسيات الشعرية .
إلا ان البعض من الحاضرين في تلك الامسيات صار يطالبني
بقراءتها او بقراءة قصيدة "لماذا نموت" أو قصيدة : "الشليقة"
وقد واكبت بعض هذه الاماسي الشعرية السيدة حسناء الحسين سكرتيرة الأخلاء مجلة
المجتمع المدني مواكبة لصيقة تستطيع من خلالها أن تدلي بما يلي :
** أبو وجدان كان أمينا لتحرير مجلة الفكر سابقا وقبلها
كان مؤسسا للأخلاء مجلة المجتمع المدني سنة 1978 ومديرها ورئيس تحريرها إلى يوم
الناس هذا ..
** أسس مهرجان الشعر
العربي الحديث بالجريد سنة 1980 لا سنة 1981 كما جاء في بعض الصحف التونسية ..
والذي صار يسمى اليوم : ـــ المهرجان العالمي للشعر بتوزر ، وقد أتم دورته
الأربعين سنة 2020 ــ يقول أبو وجدان بشأن هذا المهرجان : ــ "كان بودي لو بقي منتسبا
للجريد لما لكلمة الجريد من أبعاد تاريخية تصل إلى حد البعد السابع فهي أشمل من
البعد السادس لعاصمته توزر" .
** أسس أيضا المهرجان الوطني للموسيقيين الهواة
بمنزلتميم سنة 1984،
** أسس فرع
اتحاد الكتاب التونسيين بمنزلتميم سنة 1991 وقد انتقل مقره الإجتماعي إلى مدينة
نابل باعتباره فرعا لإتحاد الكتاب التونسيين بالوطن القبلي .
ـــ إنه إنسان مبتلى بالشعر والموسيقى إلى حد
الهوس .. يعمل صامتا ولا يسوؤه أن يعمل غيره صارخا.. وقد تحدث عنه الكثيرون من
معاصريه ومنهم المبدعة أمان الله الغربي التي أوردت ـــ عند حديثها عن الوضع
الثقافي الراهن ـــ اسمه كنموذج يحتذى به في النضال الوطني المؤمن لا بثقافة الموت
من أجل الوطن بل بثقافة الحياة من أجل الوطن .. كما يلي :
"
جميعنا نعرف أن الثقافة آخر اهتمامات وزارتنا وأن مدراء المهرجانات يتكبدون من
صعاب الأمور ما لا يحتمل ولا يطاق لإقامة عرس ثقافي وأن التمويلات غالبها تكون على
جيوبهم الخاصة وقد قل وندر من هم يدعمون الحرف ..
ولئن كتبت اليوم هذه الكلمات فلأعطيَ كل ذي حق حقه .. من
يقول : ــ الصادق شرف الملقب بأبي وجدان وشهرته تسبقه بأعماله وتاريخه الأدبي فهو
الأب الروحي للثقافة وتقريبا الداعم المادي الأول بامتياز لأغلب الملتقيات
والمهرجانات والانشطة ...
الرجل الذي يخجلنا بوافر كرمه وكل من طرق بابه لا يرده
خائبا أقل ما يمككنا فعله هي بعض هذه الكلمات المقصرة في حقه ولا تفيه مجهوداته
مهما تحدثنا عن مبادراته .. قليل جدا أن نوصل المعلومة كما ينبغي، لا يمر عرس
ثقافي دون ان يقدم لنا مجموعات كتب مجانية وكل من توجه له يعود غانما.
شكرا سيدي الكريم على كل ما تفعله لأجلنا جميعا وأنا
بدوري أهدي تكريمي هذا لحضرتكم لعله يعطيكم بعضًا مما تعطينا وما انت إلا فخر
الحرف وعزته ادامك الله سندا للأدب ، وزادك خيرا على خير يا صاحب القلب الطيب .
كنت الروح المبادرة في مهرجان الثقافات الدولي إيلاف
شكرا لوقتك ومالك وهداياك ادامك الله بصحة وعافية " .
كما تقول عنه الأديبة جليلة
المغربي :
" منذ نعومة أظافره نشأ في بيئة تتسم بالشعر ..
مؤلفاته الشعرية تجاوزت الخمسين ، سيان بين الشعر والحياة عنده ..
" دافع بكل شراسة من أجل
إنقاذ ثقافتنا القومية من شراسة الاستعمار الثقافي الأجنبي ... هو من جيل المؤسسين
لاكثر من تظاهرة ثقافية إبداعية ... تظاهرات ومهرجانات حققت الاشعاع الوطني
والدولي اعتبارا لقيمتها في اثراء المشهد الثقافي وانفتاحها على مختلف الثقافات
الأخرى، إنه الشاعر الكبير الصادق شرف أبو وجدان الذي سيحفظ له التاريخ الكثير من
الإنجازات الرائدة انتصارا للثقافة الوطنية وللفكر النير ".
وتقول عنه الناقدة التونسية الأستاذة شافية
محمد فرج في كتابها الذي عنوانه : ـــ دهشة البيان لدى أبي وجدان ـــ ص
7 : " هو شاعر طريف ذاب عشقا في الوطن " .. "تغّى بالمرأة،
بالأرض، بالإنسان، بالثورة، بالحرية، بالعدل، بالجمال، بالخير، وقاوم بشراسة الظلم
والشرّ والفساد".
ويقول هو عن نفسه : ـــ " أنا ماض لن
يعود ومستقبل قد لا يأتي .. حتى إذا أتى قد لا يجيء كما نريد ومن ذلك مثلا : أن
كتابي الذي عنوانه : أبو وجدان وطن قبلته الشعر في أربعة أجزاء صدر جزؤه الأول سنة
2014 ـــ ولظروف مخاتلة للغاية ـــ لم يصدر جزؤه الرابع إلا سنة 2021 ـــ الأخلاء
341 ..
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire