أبو وجدان في حوارمع الإعلامية نايله شقراوي
لا تخلو بعض قصائدك من سخرية قريبة إلى الهزل، الى جانب الرواية الاجتماعية السياسية الساخرة التي كتبتها ونشرتها سنة 2006 في الاخلاء 255 وعنوانها :
"العصفور في قفص الاتهام"هل هو تنويع في الأساليب ؟
أم محاولة لعرض الواقع ونقده بلغة قريبة منه ؟
انا شاعر مسكون حتى النخاع بالواقع الساخر مني من ساعة المخاض إلى لحظة الوداع .. يفلت بي المتوقع الحالم في جميع كتاباتي من سخرية الواقع فتولد قصائدي ضاحكة ساخرة حتى من ذلك المتوقع الجميل في أغلب نثري .. وفي أصدق شعري السياسي خاصة .. ولم تنج حتى رومانسيتي من عذوبة تلك السخرية اللذيذة جدا .. جدا ...
روايتي التي عنوانها : " العصفور في قفص الإتهام " أجادت قراءتها الشاعرة سميرة بن نصر في حوارها الذي أجرته معي مدة شهر ليلة كل أحد ونشرته الأخلاء في عددها 367 سنة 2018 تحت عنوان : " غيض من فيض " وقد جاءت فيه فيوضات ساخرة كما يلي : "... ومن خلال حفلة عرس بالفصل السادس وعنوانه : (السبوعي لا يموت) تتعدد المشاهد الاجتماعية التقليدية بتعابير ساخرة أحيانا .. وغاية في التكثيف أحيانا أخرى.. مثل قوله : "رؤوس غيلمية" ، "بعيون البقر" في وصفه للعادات المترسخة في لب المجتمع والمتمحورة حول ليلة الزفاف والشرف العائلي الذي يتمدد إلى كل من أهل العروس كما هو لأهل العريس .. ويكون كل من العريسين رهينة قفص الاتهام في تلك الليلة ومحل إدانة إلى حين إثبات العكس حتى وإن كان ذلك بدم كاذب كدم ــ جيء به ــ على قميص ابن يعقوب" .
ولعل من أبرز قواريري المتفجرة في حقول السخرية كتابي الذي عنوانه : " قصائد كركاتية " والمنشور في الاخلاء 251 سنة 2006 والذي كتب مقدمته الدكتور جلول عزونه وقد جاء فيها قوله: "والصادق شرف في قصائده هذه يواصل ما جاء في الرصيد العربي من هجاء وسخرية ولكنّه يضفي عليه طابعا كريكاتيا ــ كما يحلو له أن يقول ــ نقديا إصلاحيّا لأوضاع مزرية في مجتمعاتنا العربية، فيعرّيها ويشنّع بها، طالبا منا مجاراته في ذلك والتخلّص من هذه العيوب ، فهل ترانا فاعلين ؟ !"
كما نلمس سخرية مرة في كلماته النثرية التي صدّر بها بعض قصائد هذا الديوان .. من ذلك تصدير قصيد عنوانه : " أشهد أني نعجهْ " حيث يقول: ــ هكذا قال ( أولاد أحمد ) خطأ .. وكان عليهم أن يقولوا : ــ " نشهد أننا نعاج " حتى إذا ارتفعوا إلى سدرة الكبش شهد شاعرهم : " أنه نعجَهْ ! " وأيضا تصدير قصيد آخر عنوانه : " أحنّ إلى شرفات حنيني " جاء فيه ما يلي : " سألوا البغل : ــ أيّهما أحبّ إليك نزول المنحدر ؟ أم صعود المرتفع ؟ فأجاب : لعنة الله عليهما معا ".
وقد جاء في هذا الديوان عديد القصائد الساخرة نورد منها هذا المقطع من قصيدة عنوانها: " مجنونه .. في ساحة برشلونه " :
وأقبل النديمُ في لطافةِ الرّعُونهْ
أتى محمّلا .. كأنّ الناسَ يحملونَهْ
وجاء بالشقراءِ في حُريّة مسجونهْ
حرّرها .. فأقسمتْ بالخمرِ أن تخونهْ !
لانتْ له .. وما أشدّ قسوةَ الليونهْ !
فلم يزلْ يبلعها .. فابتلعتْ عيونَهْ
***
فأصبح المنظورعنده كانه السماعْ
والسخفُ أمسى عنده كأنه الإبداعْ
غنّى لنا .. لسانُه في حلقِه ابتلاعْ
واستعبدتْه نشوةٌ .. والعبدُ هل يطاعْ ؟
فلم تعدْ من حزبِه لا الساقُ .. لا الذراعْ
تناثرت أطرافه .. جمّعها الضياعْ
***
وامتدّ مثل جرةٍ .. جُبّته اتّساعْ
حذاؤه وسادةٌ .. وساقُه ارتفاعْ
يرفعها .. كمدفع يحاولُ الدفاعْ
وهزّها ( لطلقةٍ ) ناتنةٍ وذاك ما استطاعْ
وقام من غيبوبةٍ يُصارعُ الصراعْ
وقال : (شيخوا) ضحكا مادام لا يباعْ
ومن السخرية المرة هذه الأبيات التي تقطر مرارة أخاطب فيها جارا لنا جار على سكني بممارسة غبية سلطها على جدار مسكنه في شارع سميته انا بالحي اللاتيني حيث يتجمع ألاف التلاميذ من الوافدين على مدينة منزلتميم عاصمة الدخلة من أحوازها للدراسة يوميا حيث عمد إلى سكب زيت المحركات المحروق على سوار مسكنه لمنع الحائمين هناك من الجلوس فوقه او الأتكاء عليه وذلك ما جعل كل من تلوث يقوم بمسح المحروق في جدران مسكني ومن ذلك الإعتداء من طرف جاري على المارة واعتداء المارة على جداري ولدت هذه القصيدة التي عنوانها : هل تقبل المصائب انتظارا ؟ ! :
يا جارنا الذي على الجيران بالمحروق جارا
كيف تصبّ زيتك المحروقَ إذ تستفرغُ الجرّارا ؟
تصبّه على سياج الدار كي تزيّن الجدارا ؟ !
يا لجدارٍ حجرٍ ! لكنّه تحسبه قد صارا
موبّرا تخشى عليه أن يرى الغبارا
لذاك قد غطيته بالزيت مثل دَبرة تؤرّق الحمارا
وكل من بالزيت قد تلوثت مرفقه .. يا ما أراه ثارا !
وسب من صبّ .. وفي جدار داري يمسح الضرارا
كما ولدت قصيدتي الساخرة للغاية من الظاهرة الإجتماعية التي راج جراءها زواج العذارى من الرجال المسنين طمعا في أموالهم .. وطمعا أيضا في اموالهن من طرف الشبان الذين يرغبون بسعر مناسب جدا في الزواج بالعجائز وخاصة الأجنبيات حيث قلت وبالغت في القول نقدا ساخرا لذلك الواقع المتردي او تسجيلا فكها لمصلحة دخلت حيز المعتاد في قصيدة عنوانها : " هي والسطل والفرشاة ..":
بعد عرسي يا حبيبي ..
سوفَ آتيكَ بما في حضنه قد تستريحْ
سوف تأتيك معي معجزةٌ من قبلُ كانتْ للمسيحْ
جَيْبُكَ الميِّتُ أحييهِ .. ويُحييني منك إيقاعٌ على الوزنِ الصّحيحْ !
فأنا كالتربة العطشى لغيثٍ هاطلٍ من غير ريحْ ..
لكنِ الآنَ احترزْ من هطلاتِ ( الدهْنِ ) في الركْنِ الجريحْ
اِدهنْ الحيطانَ منْ فوقٍ إلى فوقٍ لإطفاءِ اللهيبْ
مَرّرْ الفرشاةَ فوقَ الحائطِ العطشانِ للدهْنِ الرّطيبْ
مُرّ بالفرشاة فهْيَ القُطْنُ للجرحِ .. وجرْحي
مُرهفُ الإحساس للحدّ الغريبْ
دغدغْ الجرحً بِرفْقٍ .. فأنا لي فوْقَهُ يحْلو الدبيبْ
كلّ ما استعصَى عليّ اليومَ ــ يا حبي ــ أطاعَكْ
مُدّ لي الآنَ ذراعَكْ
فكِياني كلُّهُ قد أثقلتْهُ نشوةٌ منك إلى حدّ المغيبْ
غيّبِ الفرشاةَ في المنديلِ فالمنديلُ يمتصّ الحليبْ
إنني خائفةٌ .. أن تزْلَقَ الفُرشاةٌ في "السطلِ" الرّهيبْ
إنني خائفةٌ من ( قفَصي ) يصطاد منك العندليبْ
ربّما تحتارُ في تحريرِه حتّى فتاتيشُ الطبيبْ
عندها يهربُ منّي ذلك الضبعُ الذي يُدعى (الخطيبْ)
***
لا تعاتبني حبيبي ! لا تعاتبني ..
على عقْدِ قراني معَهُ فالعقدُ حبْلٌ شدّ ألواحَ الصليبْ
لوْحتي واقفةٌ .. واللوحةُ الأخرى
أشارتْ معها نحوَ المناحي الأربعهْ
يا حبيبي .. ذلك اليُدْعى خطيبي ليس لي دورٌ معهْ
غير دورٍ صار فيه خاتَما في إصبعي
ما صرْتُ ــ كلاّ ! ــ خاتما قدْ زانَ يوما إصبِعَهْ
يا حبيبي ذلك اليُدْعى خطيبي ليس لي دورٌ معهْ
غير دورِ الجحشِ إذْ نرمي عليهِ البردَعهْ
إنّهُ بردعةٌ نرْكبها حينا وحينا نحتمي منْهُ بها
إن تَثُرْ يوما علينا الزوبعهْ
***
يا حبيبي .. ذلك اليُدعى خطيبي ليس لي دورٌ معهْ
غيرَ دور الثّدي حتى نرْضعَهْ
لا تسلْني كيف دوري معهُ .. سوفَ يكونْ ؟
أتراه غيرَ دوْرِ الحلزونْ ؟
بعدما أطبُخُه .. أمتصهُ .. أرمي ورائي القوقعهْ
***
يا حبيبي .. ذلك اليُدعى خطيبي ليس لي دورٌ معهْ
غيرَ دور الصومعهْ
فوقها أصعدُ كي يمتدّ ( طعباشٌ ) نباتي في الفصولِ الأربعهْ
غير دورِ البنكِ قدْ ضمّ رصيدا ــ طولَ عمري ــ
مستحيل .. ليسَ لي أنْ أجمَعهْ
إنه بنكي .. أنا أمضيتُ عَقدي معهُ .. ليس معَهْ
ذاك ما يضربُني فيه !
وكم تُضربُ في البنكِ فتاةٌ عندها ألفُ حبيبٍ وحبيبْ !!
شعرُهُ الأبيضُ هذا فضّةٌ ليس المَشيبْ !
ثغرُهُ الأصفرُ هذا ذهبٌ !
والشمس لا أجملَ من صفرتِها عندَ المغيبْ !
ظهرهُ المحنيّ قوس به أرميه .. وإني لستُ ممّنْ لا يصيبْ !
هذه السيارةُ الواقفةُ الآنَ به منتظرا رَكبِيَ من كرسي السياقهْ
ليس إلا سائقا جاء لكي يأخذ ( للاّهو ) لصالونِ الحلاقهْ
بدْعةُ التشقيرِ لا أجترَّها من أجلِ مَنْ يُدعى خطيبي
إنّما منْ أجلِ عينيكَ أنا أجترُّ قيدي يا حبيبي
أنتَ قيدٌ حازمُ ذاتي كما قد تحزِمُ السبابةُ الإبهامُ باقَهْ
تصهلُ الرِّغبةُ في عمقي صهيلَ الموْجِ لما أوقَفَ الشَّطّ انطلاقهْ
مُهرةٌ مثلي تُراها صهلتْ منْ أجْلِ ناقهْ ؟ !
أبدا لستَ حبيبي إن تقلهَا صِحتُ في وجهك : كلا !
موقفي ليسَ غريبا .. إنما موقفُك الآن حماقَهْ
لا تكنْ أبله .. هل مثلي تُراها سوْفَ ترضى بالخرائبْ !؟
إنما لا نقطعُ العمرَ على جيْبٍ منَ الفقرِ جديبٍ ومليءَ بالمتاعبْ
والنعيم اقتربتْ منّا خطاهُ .. اقتربت ..
في شكل نهر حاضرٍ في شكل غائبْ
فاعبُر النّهر معي .. أرجوكَ ! هلا تستجيبْ ؟ !
فإذا صرنا معا في الضفّة الأخرى ..
فظنّي بفتى الأحلامِ .. كلاّ ! لن يَخيبْ !
فإذا خيبتَ ظنّي .. يا جبانا، فانسحبْ منّي
فإنّي امرأة ليس لها أيُّ حبيبْ !
إنّما أعرفُ أنّي سوف آتـيكَ كما يأتي طبيبٌ لعليلْ
بعدَ عرسي .. ومعي الدنيا لإطفاءِ غليلٍ .. وغليلٍ .. وغليلْ
فأنا أعشق أنْ أحيا وجودي بينَ ( مَنْ قدْ جاءَ من بابِ الرّحيلْ )
وحبيبٍ راحلٍ في جسدي حتّى حدودِ المستحيلْ
كالرّحى يطحنني جنسا .. أنا أقتُلُهُ طحنا .. ( طحينا ) ..
وكلانا قاتلٌ نفسه في غيره فالحيّ قتيلْ
والذي قد ماتَ ــ من قبلُ ــ قتيلْ
والذي يُولدُ ــ من بَعدُ ــ قتيلْ
وفي ديواني الذي عنوانه : " هروبا من الهروب " الصادر في الاخلاء 48 سنة 1984 ص 91 هناك قصيدة عنوانها : " أخي ويحط العصا في العجلة " إنها السخرية بعينيها وخديها وشفتيها تحشو عصاها طولا وعرضا في مؤخرة أولائك (الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس) كما يقول عميد الأدب العربي طه حسين وكان يقصد بعض الهاموش الثقافى ممن كانوا يفتقدون القدرة على مناقشته فيهاجمون كل عمل له ويكيلون له الاتهامات، بينما كان طه حسين قادرا على خوض المعارك الفكرية فى مواجهة مفكري عصره ممن اختلفوا معه، لكن هؤلاء يختلفون عن «الهاموش» ممن ليس لديهم أفكار، ينتظرون انتاج من يعمل ليبدؤوا عملهم فى مهاجمته، وهذه النوعية اتسعت لتمثل متنا فى الحياة الثقافية والسياسية بعد أن كانوا مجرد هامش، بعض سكان الحياة الثقافية ممن ليس لدى أحدهم سوى إلقاء التراب على أي عجين، لا ينتج الواحد منهم شيئا ذا قيمة، لكنهم متفرغون لمهاجمة ما يقدمه غيرهم لإحباط جهد كل من يؤمن بأن الشغل جهاد .. فيحطون العصا في العجلة التي لا تسير وفق أهوائهم :
يا أخي من ذا الذي سوّى الضحايا ؟
علّه الشيطان، من فحمٍ ! وسوّاك من النجم الملاكْ !
لست نجما يا أخي مِنْ نفسِ ذاك الطينِ مَنْ سوّاكَ قد سوّى سِواكْ
يا أخي كيْ نتلاقى، نحن في الأرض سكناها،
ألا فانزلْ قليلا من سماكْ
لست نجما تسكن الأفلاك، أو نسرا هجوميا، ولكنا نرانا إذ نراكْ
فلماذا تتعالى كدخان ؟ حلقات من دخان
صوّرتْ رسمكَ في الجوّ خداعا عشقتْهُ مقلتاكْ
فإذا ما بعتنا بالفول، إنا نشتري أمثالكَ اليوم بسطلٍ من قشورْ
هكذا قد صوّرتِ لي رُؤيتي، قد تُخطئُ الرؤيةُ، لكنْ ..
أبدا لنْ يخطئَ اليوم الشعورْ
ويكاد لا يخلو ديوان من دواويني من قصائد تسخر من الوضع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وأمثال ذلك ما جاء في شعري من سخرية حارقة واستهزاء بكل : " عشاق الكراسي " في قصيدة عنوانها : "نتحدى الكراسي " من ديوان "أتحدى العشاق" الاخلاء 176 سنة 1993 ص 21 التي أوردناها في بداية هذا الحوار التاريخي مع الإعلامية الأستاذة نائلة الشقراوي التي تقول في مقال لها منشور بجريدة : ــ الشارع المغاربي ــ العدد 186 بتاريخ 15 أكتوبر 2019 : ــ " يقول الشاعر : (الحب قد حرم كل سلاح إلا القبلة والمكياج .. فهما للحب براق والعاشق اسراء والمرأة معراج) أسلوب الكاتب الطريف ذاك لم يمنعه من أن يكون في بعض قصائد الديوان رومنسيا بالغ العذوبة والحماسة يتحرى جيدا في اختيار مفرداته الحاملة للمعنى وللصور الشعرية التي يحرص كل شاعر على الاشتغال عليها لتبدوَ مختلفة مبتكرة.. فتغنى بحبه لتونس كما تغنى كبار الشعراء بها "
أما الناقدة شافية محمد فرج أستاذة اللغة العربية في كتابها الذي عنوانه : " دهشة البيان لدى أبي وجدان " الصادر في تونس سنة 2018 ــ في الأخلاء عدد 365 ــ حول السخرية في كتابات الصادق شرف فتقول : ــ " اذا كانت السخرية تقف على رأس الاساليب الفنية الصعبة لما تتطلبه من تلاعب بمقاييس الأشياء تضخيما أو تصغيرا، تطويلا أو تقزيما فإنّ هذا التلاعب يتمّ ضمن معيارية فنية هي تقديم النقد اللاذع في جو من الفكاهة والإمتاع ... غير أن أسلوب السخرية عند الصادق شرف لا يعني الضحك من أجل الضحك ولا سقوطا في التهريج وإنما هي كوميديا سوداء تعكس أوجاع الإنسان السياسية / الاجتماعية / الفكرية / الروحية / الوجدانية يقدمّها أبو وجدان بقالب ساخر يرسم البسمة على الوجه ويضع خنجرا في القلب ... فيحوّل الألم إلى بسمة والحزن إلى إبداع.. وهي قضية هو مهموم بها ، ورسالة يريدها أن تصل .
فكان أدبه الساخر يتناول كافة شرائح المجتمع، لا يفرّق بين متديّن وغيره، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين فقيه ومحدّث الكلّ كان يخضع للسخرية والنقد من قبله إلى الحدّ الذّي أدّى إلى تفسيقه وتكفيره :
ــ سألتُ الصديقهْ ..
وقبل التخونج كانتْ لكل الشبابِ عشيقهْ
سألت الصديقهْ ..
وكاد سؤالي إليها يضل طريقهْ
سألت الصديقهْ :
ـ تحبّين نفسكِ عُـبِّـيـثَةً ؟ أمْ أنـيـقـَهْ ؟
فقالتْ : ـ أنيقَهْ ... رشيقَهْ ...
فقلتُ لها : ــ ولماذا إذنْ يا صديقهْ
تُغطّينَ وجهَكِ أنتِ .. بهذي الشُّـلِـِيـقَهْ ؟
فما الفرق بينكٍ أنتِ وأختك هذي التي
بالمساحيق تُـشعلُ فيه حَـريقَهْ ؟
فهذا نقابٌ لوجهكِ أنتِ وذاك نقابٌ لوجهِ الشقـيقَهْ
ووجهُكِ باقاتُ ورْدٍ .. فكيفَ تريدينَ إخفاءَ ورْدِ الحديقَهْ ؟!
ووجهكِ أحمرُ.. أبيضُ رايةُ مَجْـدٍ بتونسَ جِدُّ لَصيقَهْ
بها ارتفعتْ نجمةٌ وهلالٌ مشعٌّ يجلّي السوادُ بريقَـهْ
ووجهُكِ نهرٌ منَ النورِ يسري إلى الله شقَّ طريقَهْ
هو الله حقٌّ جميلٌ .. جميلٌ .. يحبُّ .. ويبدع فينا جمالَ الخليقَهْ
فكوني الحقيقةَ سافرةً فالحقيقَهْ
إذا احتجبتْ أصبحتْ للنفاقِ طريقًا .. وبئسَ الطريقَهْ !!
ولستُ أنا مسلماً بالتحاءٍ ..
ولست أنا مسلماً بالتحافٍ ..
ولستُ أنا مسلماً بانتقابٍ ولكنْ أنا مسلمٌ بالسليقَهْ
فكوني الحقيقةَ سافرةً يا صديقهْ
إذا شئتِ أن تُـصبحي لي بدربِ الحياةِ رفيقهْ
لمجتمع مدني عشيقه "
في هذا النوع من القصائد الجريئة شكلا ومضمونا ثورة مستقلة بحدّ ذاتها حرَّة منطلقة في إيحائها من دون أن يقيِّدها عنوان، أو يحدِّد رؤيتها دالٌّ محدَّد، إذْ أنَّ كل مقطع يطرح رؤية؛ ويقدِّم صورة، أو لمحة شاعريَّة شفيفة تؤكِّد حداثة رؤيته، وعمقها في تبنّي المواقف، والتعبير عن الرؤى بشكل ساخر / إيحائي بليغ .
ويقول أيضا انتصارا للمرأة الحرة الثائرة على الفكر الظلامي :
أمتنا العظيمة العظيمة المنهارهْ
تهمسُ لي حزينة : ــ تؤلمني الخسارهْ
أسألها : ــ يا أمتي من أي نوع هذه الخسارَهْ !؟
تجيبني حائرة .. محتارة : ــ خسارتي ما بعدها خسارهْ
خسارتي : ــ أن لا تسوقَ المرأةُ المسلمةُ السيارَهْ
والطيّارهْ / والعبّارهْ
والإدارهْ / والوزارهْ / ودفة الإمارهْ
فإن تسـقْـها ارتكبتْ في الدين عندهم ضرباً من الدعارَهْ
بل إنه ضرب من اغتصاب امرأة .. غاصبها يحسبها مغارهْ
والمرأةُ المسلمةُ اليومَ هنا في تونس الحضارَهْ
سمكةٌ شهيةٌ .. شهيةٌ لكنها من المحال أن تـبـتـلعَ الصنّارَهْ !
من المحال أن يوقعها في شبكة العقيدة الصياد بالكركارهْ
من المحال أن تحيلَ روحَها على المقـصِّ للطهارَهْ !
وإنما تحيلُها كحرّة .. وبنتِ حرّة على حريةِ العبارهْ
تحيلُها على علوم التقنيات .. والفنونِ .. والمهارَهْ
فالتونسيةُ الشمّاءُ ليستْ عورةً ـ كما يقول شيخهم ـ بوشكارهْ
كما يريدها داعيةُ التكفيرِ .. والدعاةُ بعضُهم قــذارَهْ
من جاءنا كفّرَنَا .. وَلنْ أقول : ــ (كافرا) وإنما عليه بالكفّارَه
بل إننا نريدها عالمة طبيبة أستاذة قاضية منارهْ
تغتصب الوجودَ بالمكتسبات ليس مثل أختها حمارَهْ
شجرة نريدها مثمرة لو أنّها ما أثمرتْ لم تُرْمَ بالحجارَهْ
*******
مجلة الأحوالِ قد أبدعها مفكرٌ .. بل دوحةٌ جبّارَهْ
مقاصدُ الشريعة السّمْحَاءِ قد رتّبها صراحة وليس بالإشارَهْ
فالخلفاء عندهم ثلاثةٌ ، يا ويلهم
بالخنجر المسموم هم قد طعنوا خليفةَ الإمارَهْ
أليس من قد طعنوا الخلافة المنهارهْ
هم مسلمون أدخلوا في ديننا التجارَهْ ؟
تجّارُ هذا الدين هم مَن شوّهـوا خلاصةَ الحضارهْ
من ركبوا ثورتَـنَا حمارة وأغـلقـوا في سوريا السفارَهْ
إلى الكراسي ركبوا ثورَتـنا كالثور هم قد أقسموا أن يحلبوهههههه
استدرجوا أمّـتَـنا للعيشِ في مغـارَهْ
تلك هي الأمة المنهارهْ !!!
سخريّة أبو وجدان هي فنّ حوّل به معادن الحياة اليوميّة الخسيسة إلى معادن نفيسة ! وحوّل الألم إلى ضوء .. والعجز إلى أفكار:
بالعلم لا بالدين تنتصر الشعوب على الشعوبْ
فالدين يدعو للسلام وهم دعاة للحروبْ !!
تلاعب ساخر بنّاء عبّر عن آرائه وأفكاره ووجهات نظره من خلال تصوير الواقع، والتعبير عن هموم المجتمع / هموم وطنه / هموم تونس "التّي عشقها جيلا فجيلا .. يحقق ما قد بدا مستحيلا"
وتنبيهه إلى أوجه الخلل والقصور الموجودة فيه ... مراقبة السلطات العليا مراقبة حقيقية بتسليط الضوء على أعمالهم، وانتقادهم إذا ما ارتكبوا الأخطاء وتوجيههم نحو المصلحة العامة.
تنظيف تونس من الفساد والمفسدين من خلال إحداث التغيير عن طريق نقد السلبيات الموجودة في المجتمع، وجعل القارئ ينبذها ويرفضها كخطوة أولى، ومن ثم حثّه على التغيير والمواءمة بين المتعة والتقويم، من خلال إشباع رغبات الناس من الجانب الترفيهي، وتقديم النقد البنّاء بجميل القول والارتقاء بالأذواق دون الهبوط إلى مرذول الأقوال وقبيح الكلام" .
ولمّا كان الضحك موقفا إنسانيا متعاليا يفتح نوافذ الحياة أمام الكائن الإنساني المليء بالبراءة والمسكون بما تبعثه الدهشة واللامتوقع في النفوس العابرة للقارات، وهنا أقصد الضحك الإنساني الحقيقي الذي يفرغ فيه الكائن البشري أزماتِه وأثقال الحياة ببراءة إلا أننا أحيانا نجد أنفسنا نضحك مع الضاحكين بمناسبة ودون مناسبة ضحكا من تفاهات مجتمعنا العربي .. ضحكا عبث وتولى من سياسيينا ، وأحيانا كثيرة ضحكا خادعا نضحكه من أنفسنا وهنا ينطبق علينا قول : " شر البلية ما يُضحك" إنه ضحك كالبكاء .. وقد نضحك في الأوضاع المأسوية إنكارا للأحداث وتحررا من المصائب، فنحن قد نضحك وقد نبكي معا عند سماع خبر مفرح فليس الشقاء هو البكاء وليست السعادة هي الضحك . ويبقى أخطر ضحك هو الضحك على الذقون الذي يدخل في الضحك على وضع الإنسان والسخرية منه، حيث السخرية في الأصل ليست سوى كراهية مقنعة . وليس أدل على ما يمكن أن يكون سخرية في كتاباتي من قصيدة عنوانها : "ثلاثون ضحكة" تلك المنشورة في كتاب : "هروبا من الهروب" ص 109 ـ الأخلاء 48 وقد جاء فيها ما يلي :
وضحكة تزلزلُ الأعماقَ في الإنسان دون أن تهدّم الذي بناهْ
وضحكةٍ دافئة يضحكها معي أخي في وطني
فتضحك الحياهْ ..
وضحكةٍ باردةٍ أضحكها منفردًا، لا طعمَ فيما إنّما
من نوع تمطيط الشفاهْ
وضحكة شاردة تركبني
خاطرة والذهن في مركبةِ الهيْمان لا أضحكها
وإنما تضحكني ودونما انتباهْ !
وضحكة أضحكها ملءَ وجود الآخرين كلّها محبّة
فيضحك الأله ..
وضحكة تسيلُ منها دمعةٌ .. تسيل فوق وجنةٍ
كتربة عطشانة وتنزلُ المياهْ
وضحكة ساخرة .. تكون مثل صخرة تشقّقت لها الجباهْ
وضحكة آتية منَ البعيدِ في نشيجِ امرأةٍ تصيحُ : وا مُعتصماهْ !
فأينَ مَنْ يسمَعها ؟ وأينَ من يُـنجدِها ؟
وارتفعَ النداءُ لكنْ لا حياهْ
وضحكة رائدةٍ يلذّ لي سماعُها
كتائهٍ في مهمهٍ .. وفجأة ناداهُ صوتٌ باسمهِ في ذلك المتاهْ
وضحكة أودّ لو أسمعها كمَنْ تراهُ نائمًا
وبغتة تصطك بالرعود مسمَعاهْ
وضحكةٍ منْ صامت مُنغلقٍ رتاجُهُ وحينما يضحكُها تفتحتْ لي دفتاهْ
وضحكة أضحكُها منّي أنا ،
وكم يروقُ لي الّذي يضحكُ من أناهْ !!
وضحكةٍ ما ولُدتْ من أبوين شرْعيين إنما ..
لقيطةٌ كقطعةِ الحبل التي أتت بها المياهْ
وضحكة أمقُــتُها.. وكم يحبّ أن يضحكها سوايَ من سواهْ !!
وضحكة بدايةٌ للوصلِ والوصولِ لا تضحكُها شِفاهُ عاشقٍ
وقد تضحكُها عيناهْ
وضحكة رأيتُها بدايةً لضاحكٍ ، لمْ أدرِ كيف انقلبتْ به لمنتهاهْ ؟!
وضحكة، حذار من ضاحكها ! دهاؤه بأنْ يدُسّ في تضاحكٍ دهاهْ
وضحكةٍ تميل لابتسامةٍ نظيفةٍ نظيفةٍ
لكنها قليلةٌ .. قليلةٌ .. وا أسفاهْ !
وضحكة تكشيرةٌ بعينها .. ليس لها ما بينها والضّحك اشتباهْ
وضحكة كنصف ضحكة ولكن وُزّعت على ملايين الشفاهْ
وضحكةٍ قد ضاجعتني ليلةً كاملةً وعندما
أصبحتُ لم أجدْ لها من أثر ، وا أسفاهْ !
وضحكة في زيّ شرطيّ المرور فتّشتْ سيارتي ..
إذ أعلموها أنّني مُهرّبٌ للضّحكِ الممزوجِ بالأوّاهُ
وضحكة غازلتُها
في المسرحِ البلْديّ صدفةً،
أزاحتِ القناعَ .. لمْ أجدْها ضحكةً وإنما وجدتها مأساهْ
وضحكة يضحكُها منّا جحا واليوم صار كلّ واحدٍ منّا له جحاهْ
وضحكة رفضتُ أن أصفها فالوصفُ قيدٌ مجحفٌ
والحُرُّ لا يكون ـ مطلقا ـ مقيدا فالقيدُ كمْ ترفُضُه يداهْ !
وضحكة الإنسان ــ يا أحبّتي ــ
لا تعرفُ الحدودَ .. لا تستوطنُ القيودَ في الشفاهْ
موطنُها عروشٌ القلبِ ــ يا أحبتي ــ
إن جلجتْ صاعدةً تزلزلُ الأعماقَ لا الأفواهْ
لأنّها الحريةُ الحمراءُ ــ يا أحبّتي ــ
ضحكتُها من ضحكةِ الإلَهْ
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire